قال معهد الدراسات السياسية الدولية (ISPI) إن سيناء التي لطالما احتُفي بها كرمز للسيادة المستعادة، تعكس اليوم أعمق مخاوف مصر الإقليمية، بعد أن أعادها الصراع في غزة، والتوترات مع إسرائيل بشأن الانتشار العسكري، ومخاوف تهجير الفلسطينيين، والضغط على قناة السويس، وتصاعد الصراع الإسرائيلي الإيراني إلى صلب تفكير مصر الاستراتيجي.
وأضاف أنه منذ بداية حرب غزة، رفضت مصر مرارًا وتكرارًا أي سيناريو يتضمن تهجير الفلسطينيين قسرًا إلى سيناء. وصرح (قائد الانقلاب) عبدالفتاح السيسي بأن مثل هذه الخطوة من شأنها أن تهدد الأمن القومي المصري وتُعرّض القضية الفلسطينية لخطر "القضاء عليها".
وأشار إلى أنه بالنسبة لمصر، لا يقتصر هذا الموقف على الجانب الدبلوماسي فحسب، فشمال سيناء لا يزال منطقة حساسة أمضت الدولة سنوات في محاربة الجماعات المسلحة وإعادة بسط سيطرتها عليها.
وذكر أن المسؤولين المصريين يخشون من أن يؤدي التدفق الهائل للمدنيين إلى إرهاق البنية التحتية المحلية، وإنشاء مخيمات طويلة الأمد، وإحياء شبكات التهريب، وزعزعة استقرار منطقة لم تخرج إلا مؤخرًا من عنف طويل الأمد.
وبحسب التقرير، فإن هذا يساعد في تفسير النهج المزدوج لمصر: فقد دعمت القاهرة دخول المساعدات عبر رفح بينما رفضت بشدة أي نقل دائم لسكان غزة عبر الحدود.
نزاع ممر فيلادلفيا
وسلط معهد الدراسات السياسية الدولية الضوء على ممر فيلادلفيا، وهو شريط ضيق من الأرض على الجانب القطاعي من الحدود المصرية قرب رفح كان يمثل أكثر نقاط التوتر حساسية مع إسرائيل.
وأُنشئ الممر في الأصل كمنطقة أمنية بموجب اتفاقيات السلام المصرية الإسرائيلية، ثم أصبح محوريًا لإدارة الحدود بعد عام 2005 عقب انسحاب إسرائيل من غزة.
في مايو 2024، أعلنت القوات الإسرائيلية سيطرتها على المنطقة خلال عملياتها في رفح ، مما أثار قلقًا فوريًا في القاهرة. بينما تؤكد إسرائيل أن السيطرة على الممر ضرورية لمنع تهريب الأسلحة ومنع حماس من إعادة بناء شبكات الأنفاق، مما يجعلها مترددة في الانسحاب السريع.
لكن التقرير قال إن مصر تنظر إلى المسألة من منظور مختلف تمامًا. فقد رفضت مرارًا وتكرارًا أي وجود عسكري إسرائيلي مطوّل على طول الممر الحدودي، بحجة أن السيطرة على الحدود بين غزة ومصر يجب أن تعود إلى الترتيبات الحدودية السابقة التي وُضعت بعد انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، بما في ذلك الاتفاقيات الخاصة بممر فيلادلفيا بين مصر وإسرائيل، والتي سمحت بنشر محدود لحرس الحدود المصري على الجانب المصري، واتفاقية حرية التنقل والمرور، التي تم التوصل إليها في وقت لاحق من ذلك العام لتنظيم المعابر، بما في ذلك معبر رفح.
ويقول مسؤولون مصريون إن أي انتشار إسرائيلي مفتوح المدة من شأنه أن يُهمّش دور مصر في رفح، ويزيد الضغط على الفلسطينيين للنزوح نحو سيناء، ويُغيّر الترتيبات الأمنية التي كانت قائمة قبل الحرب. وفي سبتمبر 2024، صرّح وزير الخارجية بدر عبدالعاطي بأن مصر لن تقبل ببقاء القوات الإسرائيلية على الحدود أو أي تغييرات على الإطار الذي كان قائمًا قبل الحرب، مع إصراره على إعادة الوجود الفلسطيني في رفح.
وأوضحج التقرير أن ممر فيلادلفيا لا يزال اليوم تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، ولا يزال أحد أهم نقاط الخلاف في الجهود المبذولة لتحقيق الاستقرار في غزة.
عواقب عدم الاستقرار في البحر الأحمر
وفقًا للتقرير، فإن أزمة البحر الأحمر جعلت سيناء ذات أهمية آنية تتجاوز ما توحي به جغرافيتها البحتة. فقد كشفت عن مدى هشاشة المحيط الشرقي لمصر مع اتساع نطاق الصراع الإقليمي. وألحقت الحرب في غزة وهجمات الحوثيين على السفن أضرارًا بالغة بقطاع السياحة في جنوب سيناء، بينما تساقطت حطام صواريخ وطائرات مسيرة مرتبطة بالصراع الإقليمي في منطقة سيناء، بما في ذلك قرب طابا في أكتوبر 2023.
وبالتالي، لم يعد عدم الاستقرار في البحر الأحمر مشكلة بحرية بعيدة عن مصر، بل وصل بالفعل إلى سيناء نفسها، كما يذكر.
وذكر أن هذا الأمر يعد إحياءً الأهمية الاستراتيجية لمضيق تيران، الممر البحري الضيق بين سيناء والمملكة العربية السعودية، والذي يُسيطر على الوصول إلى خليج العقبة وموانئ إيلات والعقبة. فبالنسبة لمصر، يُعدّ المضيق محوريًا لأمن سيناء، لأنه يُشكّل البوابة البحرية الجنوبية لشبه الجزيرة. ومن يُؤمّن هذا الممر يُحدّد سلامة ساحل جنوب سيناء، وحماية الممرات الملاحية قرب شرم الشيخ، والوصول العسكري بين البحر الأحمر وخليج العقبة. وقد ساهم إغلاق مصر للمضيق عام 1967 في اندلاع حرب الأيام الستة، مما يُؤكّد كيف أثّرت السيطرة المباشرة على المضيق في تشكيل البيئة الاستراتيجية لسيناء.
ولاحظ أن هذه الحساسية ازدادت منذ أن نقلت مصر جزيرتي تيران وصنافير إلى السعودية عام 2017، وهي خطوة بررتها القاهرة بأن الجزيرتين كانتا تاريخيًا ملكًا للمملكة، وأنها تعكس أيضًا توثيق العلاقات الاستراتيجية المصرية السعودية.
وقال التقرير إن هذا أدى إلى تقليص سيطرة مصر المباشرة على مدخل الخليج، مع الحفاظ على الترتيبات الأمنية المرتبطة بمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وبالتالي، لم يعد الجناح الجنوبي لسيناء يعتمد فقط على السياسة المصرية، بل أيضًا على التنسيق مع السعودية وإسرائيل والضمانات الدولية لحرية الملاحة.
وأشار إلى أنه بعد نقل تيران وصنافير إلى السعودية عام 2017، وهو قرار حوّل المضيق إلى بؤرة أمنية إقليمية أكثر تعقيدًا، أصبح ما كان في السابق شأنًا عسكريًا مصريًا في المقام الأول، يشمل الآن جهات فاعلة إقليمية متعددة وضمانات أوسع لحرية الملاحة.
حالة من عدم اليقين
ورأى التقرير أن ذكرى تحرير سيناء في عام 2026، تأتي في سياق استراتيجي أكثر تعقيدًا. إذ لم تعد سيناء مجرد تذكير بانتصار سابق، بل أصبحت نقطة محورية في إدراك مصر المتغير للتهديدات في منطقة ينتشر فيها الصراع الآن عبر الحدود والاقتصادات والممرات البحرية بقدر ما ينتشر عبر ساحات المعارك التقليدية.
ورصد في هذا الإطار تزايد الضغوط المحيطة بشبه الجزيرة من كل جانب: الحرب في غزة شرقًا، وعدم الاستقرار في البحر الأحمر جنوباً، وذكريات التمرد شمالاً. كما أن سيناء هي المكان الذي يكشف فيه السلام المصري الإسرائيلي عن توتراته الجديدة بوضوح. لا تزال المعاهدة ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، ولا يبدو أن أيًا من الطرفين يتجه نحو المواجهة، إلا أن المخاوف الإسرائيلية بشأن تآكل اتفاقيات نزع السلاح القديمة، والخلافات حول ممر فيلادلفيا، وتفاقم انعدام الثقة الناجم عن حرب غزة، جعلت العلاقة أكثر توترًا وأقل قابلية للتنبؤ مما كانت عليه في السنوات السابقة.
https://www.ispionline.it/en/publication/sinai-liberation-day-and-egypts-changing-threat-perception-236090

